الشيخ محمد هادي معرفة
23
تلخيص التمهيد
والمسافة بينهما شاسعة . أو إلقاء روحي ، من قبل أرواح عالية أو سافلة « 1 » وقيل : إنَّها فكرة رحمانيّة توحيها الملائكة ، تنفثها في روع إنسان يريد اللَّه هدايته ، أو وسوسة شيطانية تلقيها أبالسة الجنّ لغرض غوايته . * * * ومن الإلهام الرحماني قوله تعالى : « وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » « 2 » . قال الأزهري : الوحي هنا : إلقاء اللَّه في قلبها . قال : وما بعد هذا يدلّ - واللَّه أعلم - على أنَّه وحي من اللَّه على جهة الإعلام ، للضمان لها « إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ » . وقيل : إنَّ معنى الوحي هنا : الإلهام . قال : وجائز أن يلقي اللَّه في قلبها أنَّه مردود إليها وأنَّه يكون مرسلًا ، ولكنَّ الإعلام أبين في معنى الوحي هنا « 3 » . والشيخ المفيد قدس سره أخذ الوحي هنا بمعنى الإعلام الخفيّ ، في كتابه « أوائل المقالات » . لكنَّه في كتابه « تصحيح الاعتقاد » جعله بمعنى رؤيا أو كلام سمعته امّ موسى في المنام . وقال - بصدد إيضاح معنى الوحي - : أصل الوحي هو الكلام الخفيّ ، ثمَّ قد يطلق على كلّ شيء قصد به إفهام المخاطب على السرّ له عن غيره « 4 » . وأمّا التعبير بالوحي عن وسواس الشيطان وتسويله خواطر الشرّ والفساد ، فجاء في قوله تعالى : « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » « 5 » . وقال : « وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ » . « 6 » ويفسّره قوله : « مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ . الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ
--> ( 1 ) راجع مفصل الإنسان روح لا جسد لرؤوف عبيد : ج 1 ص 542 . ( 2 ) القصص : 7 . ( 3 ) لسان العرب لابن منظور . ( 4 ) راجع أوائل المقالات : ص 39 ، وتصحيح الاعتقاد : ص 56 . ( 5 ) الأنعام : 112 . ( 6 ) الأنعام : 121 .